السيد كمال الحيدري
294
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
لو تطرّق الاحتمال إلى المرجوح ، وإذا تطرّق احتمال النقيض على الحكم لم يكن ضروريّاً بل ولا يقينياً . وبكلمة أخرى : إن مثل هذه القضايا إذا كانت عقلية ضرورية فكيف يمكن أن نفسّر عدم وجودها مع الإنسان منذ البداية وحصوله عليها في مرحلة متأخّرة عن ولادته ، وإنما يجب أن توجد بوجوده ويستحيل أن يخلو منها لحظة من حياته . وإذا لم تكن ذاتية لزم أن يوجد لها سبب خارجيّ لها وهو التجربة ، وهذا ما لا يوافق عليه المذهب العقلي . نقول : في الواقع أن العقليين حين يقرّرون أن تلك المبادئ ضرورية في العقل البشري يعنون بذلك أن الذهن إذا تصوّر المعاني التي تربط بينها تلك المبادئ فهو يستنبط المبدأ الأول دون حاجة إلى سبب خارجيّ . ولنأخذ مبدأ عدم التناقض مثالًا : إن هذا المبدأ الذي يعني الحكم التصديقي بأنّ وجود الشيء وعدمه لا يجتمعان ، ليس موجوداً عند الإنسان في لحظة وجوده الأولى ؛ لأنه يتوقّف على تصوّر الوجود وتصوّر العدم وتصوّر الاجتماع ، وبدون تصوّر هذه الأمور لا يمكن التصديق بأنّ الوجود والعدم لا يجتمعان ، فإنّ تصديق الإنسان بشيء لم يتصوّره أمر غير معقول . وقد ذكر الاتجاه العقلي عند محاولة تعليل التصوّرات الذهنية أنها ترجع جميعاً إلى الحسّ وتنبثق عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، فيجب أن يكتسب الإنسان مجموعة التصوّرات التي يتوقّف عليها مبدأ عدم التناقض مثلًا عن طريق الحسّ ليُتاح له أن يحكم بهذا المبدأ ويصدِّق به . فتأخُّر ظهور هذا المبدأ في الذهن البشري لا يعني أنه ليس ضروريّاً وليس منبثقاً عن صميم النفس الإنسانية بلا